تابعت باهتمام ما نشرته بعض الصحف من تصريحات لرئيس ديوان المظالم في الجوف الشيخ بدر بن محمد سلطان، حول اكتشاف ما يزيد عن سبعين شهادة مزورة لأعضاء هيئة تدريس متعاقدات مع كليات البنات، وذلك بعد أن أمضين سنوات عدة في العمل في تلك الكليات قبل أن يكتشف تزويرهن للشهادات التي يحملنها، وكيف أن وجود مثل هذا التزوير في شهادات أولئك العضوات في الكلية يُعدّ كارثة وطنية، لما يتسبّب فيه من غشّ للمجتمع بمخرجاته التربوية غير المؤهلة، وأن لجان التعاقد تعدّ مسؤولة عن هذه (الفضيحة) العلمية، لأن الواجب عليها أن تتحرى الدقة في تمحيص الأوراق الثبوتية والشهادات العلمية للمتقدمات للعمل قبل التعاقد معهن، ولذلك هو يُطالب بوجوب تشكيل لجنة عليا للتحقيق في هذه الجريمة وإحالة المتسبّب للقضاء الشرعي مهما كان مركزه الإداري.
وقبل هذا الحدث وبعده، كتب بعض الكتاب عن مظهر آخر من مظاهر الغش العلمي الذي يتمثل في انتشار دكاكين بيع الشهادات العليا، وإقبال البعض على شراء الدرجات العلمية العالية مقابل مبالغ زهيدة مُقارنة بما يتم دفعه للحصول عليها بالطريقة المشروعة، فحسب ما قيل فإن شهادات الماجستير والدكتوراه تباع بمبالغ تتراوح من عشرة آلاف إلى 15 ألف ريال وهي مبالغ لا تغطي تكلفة دراسة فصل واحد في كلية أهلية ذات صبغة محترمة. وإذا كان الأمر بهذه السهولة وهذه المجانية، فإنه ليس مفاجئاً أن يُقبل كثير من العاطلين الذين لا يحملون درجات علمية تمكنهم من الالتحاق بالأعمال التي يطمحون إليها، أن يقبلوا على التجمّل بالدرجات العلمية وشراء تلك الشهادات المزورة حتى وإن استدعى الأمر الاقتراض من البنك أو شراء سيارات التقسيط، فتلك الشهادات بالنسبة لهم هي العصا السحرية التي تفتح أمامهم الأبواب وتمكّنهم من الحصول على العمل الذي يرغبون أو المنصب الذي إليه يطمحون، فهل يُلامون إن هم فعلوا ذلك؟ إنهم باحثون عن حلول لمشكلاتهم الخاصة، جادون نحو اقتناص منافع شخصية متاحة بيسر وسهولة، فلم يُلامون؟ هل يُلامون أن لا ضمائر لهم تؤنبهم على غشهم المجتمع؟ ومن قال إن صلاح المجتمعات يقوم على نقاء الضمائر؟ إن المجتمع الساذج وحده هو الذي يتوقع أن يكون الصلاح فيه مُعتمداً على نقاء الضمائر ونزاهتها، فمن البدهي أن ليس كل الضمائر نقية وليست كلها تجري فيها دماء الطهر.
فمن المُلام إذن؟ في ظني أن المُلام الأول هو مؤسسات العمل التي تقبل كل الشهادات العلمية وتتعامل معها جميعها بدرجة واحدة بصرف النظر عن المؤسسة التي صدرت عنها، بل لا يعنيها التدقيق فيها لتميّز بين شهادة أصلية وأخرى مزورة، فتجعل من نفسها مرعى خصباً يضم المزورين والانتهازيين.
من المسلم به، أن حالات تزوير الشهادات وبيع الدرجات العلمية ليس حكراً على مجتمعنا وحده، فهذه المسألة تنتشر في العالم كله، لكن مجتمعنا يتفرّد بكثرة العدد، ويشهد على ذلك اكتشاف أكثر من سبعين شهادة مزورة في موقع من أشد الأماكن حساسية وأهمية، والله أعلم بما خفي. وما أرى من سبب لذلك سوى كون معظم مؤسسات العمل لا تفرّق بين حامل الدكتوراه من هارفارد أو أكسفورد وحاملها من جامعة مغمورة تعلّم طلبتها عن طريق المراسلة، فكلها عند تلك المؤسسات دكتوراه، فهل يُستنكر بعد هذا أن يتراكض الطامعون إلى شراء الدرجات العلمية أو تزويرها؟